مجمع البحوث الاسلامية
67
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
« البهيمة » مأخوذ من اللّفظ الفارسيّ « بهمان » أي مبهم . وهذا بعيد أيضا ، لأنّ هذا اللّفظ - كما يبدو من وزنه - صفة مشتقّة من « البهمة » ، ثمّ سمّي به ، فنقل إلى الاسميّة . الاستعمال القرآنيّ في هذه المادّة ثلاث آيات : 1 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ المائدة : 1 2 - لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ الحجّ : 28 3 - وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنْسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ فَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الحجّ : 34 يلاحظ أوّلا : أنّ الآيات الثّلاث جاءت خلال مناسك الحجّ ، لأنّ الذّبح من جملتها مع تفاوت بينها ، فالأخيرتان جاءتا في صميم الموضوع بلفظ متقارب وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ، و لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ، فجاء فيهما ذكر اللّه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام . أمّا الآية الأولى ، فإنّها وإن جاءت خلال آيات الحجّ باعتبار نزول سورة المائدة في حجّة الوداع ، وفي أوّلها آيتان : ( 1 ) و ( 2 ) ، وفي وسطها أربع آيات : ( 94 ) إلى ( 97 ) في مناسك الحجّ ، ولا سيّما الصّيد في الحرم ، إلّا أنّها بدأت بإعلان حلّيّة البهيمة إِلَّا ما يُتْلى ، ثمّ ذكر المحرّمات منها في ( 3 ) : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ . ثانيا : طرح الفخر الرّازيّ هنا ثلاث أسئلة : لم أضيف فيها « بهيمة » - وهو اسم جنس - إلى « الأنعام » ، وهو اسم نوع ، فهي من قبيل حيوان الإنسان ؟ ولو قال : أحلّت لكم الأنعام ، لكان الكلام تامّا ، كما جاءت في آية أخرى ؟ ولم أفردت « بهيمة » وجمعت « الأنعام » ؟ ثمّ أجاب عن الأوّل فقط ، فلاحظ النّصوص . ثالثا : ما الفرق بين اللّفظين : البهيمة والأنعام ؟ ولم جاءت « بهيمة » مفردة ثلاث مرّات ، ولم تأت جمعا ؟ وجاءت الأنعام جمعا « 32 » مرّة ، ولم تأت مفردة إلّا مرّة واحدة في : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ المائدة : 95 . والّذي يخطر بالبال أنّ الأنعام أطلقت في القرآن على الأزواج الثّمانية وغيرها أينما ضمّ إليها الأكل والحلّ ، مثل : وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعامُ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ الحجّ : 30 . وعلى الأعمّ منها ومن الخيل والبغال والحمير إذا ضمّ إليها الرّكوب ، مثل : وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً الأنعام : 142 ، و وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ الزّخرف : 12 . وإذا جمع بين الأكل والرّكوب ، مثل : اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ المؤمن : 79 ، فرّق بينهما بلفظ « منها » . أمّا البهيمة فتعمّ كلّ حيوان ، وإنّما أضيفت إلى « الأنعام » لاختصاصها بالمأكول من البهيمة والأنعام